بين التطبيع والشارع.. رفع العلم الإسرائيلي يثير الرأي العام في المغرب
بين التطبيع والشارع.. رفع العلم الإسرائيلي يثير الرأي العام في المغرب
أثار قيام سائحة إسرائيلية برفع العلم الإسرائيلي قرب الحدود المغربية الجزائرية موجة جدل واسعة في المغرب وخارجه، بعدما تحولت لحظة عابرة خلال جولة سياحية إلى حدث سياسي ورمزي أعاد إلى الواجهة حساسية ملف التطبيع والعلاقة مع إسرائيل، إضافة إلى التوترات الإقليمية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، وسرعان ما انتشرت الواقعة التي حدثت بالقرب من مدينة السعيدية في شمال شرق المغرب عبر مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي، لتفتح باباً واسعاً للنقاش والانقسام في الشارع المغربي.
وبحسب ما أفادت به شبكة يورونيوز، الأحد، فقد أظهرت مقاطع متداولة امرأة ترفع العلم الإسرائيلي على مسافة قريبة من السياج الحدودي المغربي الجزائري، أثناء مرور مجموعة سياحية منظمة في المنطقة، وبيّنت المشاهد ردود فعل متباينة، حيث رفع مواطنون جزائريون في الجهة المقابلة أعلاماً فلسطينية، في مشهد عكس التباين الحاد في المواقف الشعبية بين البلدين تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية.
أشارت مواقع إعلامية محلية في الرباط إلى أن السياح اليهود الذين ظهروا في المقاطع المصورة يرجح أن يكونوا من أصول مغربية، وهو ما أعاد إلى النقاش ملف اليهود المغاربة وعلاقتهم التاريخية بالبلاد، مقابل الحساسية السياسية الراهنة المرتبطة بالرموز الإسرائيلية في الفضاء العام، خصوصاً في مناطق ذات دلالات سيادية وحدودية.
رفض شعبي وتحرك مناهض للتطبيع
في المقابل عبّرت هيئات مغربية مناهضة للتطبيع عن رفضها القاطع للحادثة، معتبرة أن ما جرى يعكس فجوة واضحة بين السياسات الرسمية في المغرب التي انخرطت في مسار التطبيع، وبين المزاج الشعبي العام الذي لا يزال يرى في دعم القضية الفلسطينية موقفاً مبدئياً وتاريخياً، وأكدت هذه الهيئات أن رفع العلم الإسرائيلي في هذا السياق يشكل استفزازاً لمشاعر فئات واسعة من المغاربة.
وأصدرت الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع بمدينة بركان بياناً اعتبرت فيه أن رفع العلم الإسرائيلي قرب الحدود يمثل تحدياً صارخاً للإجماع الوطني الرافض للتطبيع، وإساءة مباشرة للعلاقات الأخوية بين الشعبين المغربي والجزائري، ورأت الجبهة أن هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق إقليمي متوتر، وأنها تحمل أبعاداً رمزية تتجاوز الفعل الفردي.
اعتبرت الجبهة في بيانها أن هذا السلوك يعكس ما وصفته بالطبيعة العنصرية للكيان الإسرائيلي، ومحاولاته المستمرة لزرع الفتنة بين الشعوب، محذرة من أن استمرار سياسات التطبيع الرسمية وغير الرسمية يفتح الباب أمام ممارسات مماثلة، ويحوّل الفضاءات العامة إلى ساحات صراع رمزي تمس السيادة والمشاعر الوطنية.
احتجاجات وتحركات ميدانية
احتجاجاً على الحادثة، نظمت عدة جمعيات وقفة أمام البرلمان في الرباط، حيث أكد أحمد ويحمان رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع أن مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين تعتزم تنظيم تحرك نحو المنطقة الحدودية، تعبيراً عن رفض ما حدث، ولتأكيد سيادة المغرب ورفض استغلال أراضيه في رسائل سياسية مرتبطة بإسرائيل.
في المقابل نقل موقع واينت الإسرائيلي عن المرشد السياحي إبراهيم أفزيمر الذي قاد الجولة أن رفع العلم لم يكن مخططاً له مسبقاً، وأنه جاء بشكل عفوي أثناء مرور المجموعة قرب الحدود، وأضاف أن الخطوة لم تهدف إلى استفزاز أحد، بل كانت تعبيراً رمزياً من إحدى المشارِكات في الرحلة.
تباين في قراءة ردود الفعل
أفزيمر قال إن ردود الفعل على الجانب المغربي كانت متوازنة نسبياً، مدعياً أن نحو 60 بالمئة من المغاربة الذين تفاعلوا مع الحادثة أبدوا تأييداً أو تقبلاً، مقابل 40 بالمئة عبّروا عن رفضهم، معتبراً أن الانتقادات الأشد جاءت من أنصار تيارات وأحزاب إسلامية، وهذه الرواية قوبلت بتشكيك واسع من نشطاء مغاربة رأوا أنها لا تعكس المزاج العام.
المرشد السياحي الإسرائيلي أشار إلى أن مجموعته رفعت العلم الإسرائيلي أيضاً في مدن مغربية أخرى منها الحسيمة، كما نظمت مراسم تذكارية لضحايا سفينة إيجوز التي غرقت عام 1961 أثناء تهريب يهود مغاربة إلى إسرائيل، وأسفرت عن وفاة 45 شخصاً، هذه الأنشطة زادت من حدة الجدل حول طبيعة الجولات السياحية وأبعادها السياسية والرمزية.
تباين مغاربي واضح
بحسب أفزيمر، فإن ردود الفعل الجزائرية كانت الأكثر حدة، في حين قال إن مغاربة حضروا الواقعة اكتفوا بالتقاط الصور والتصفيق دون اعتراض مباشر، إلا أن هذه التصريحات لم تمنع تصاعد موجة انتقادات داخل المغرب رأت أن الواقعة تمس مشاعر التضامن مع الفلسطينيين، بغض النظر عن ردود الفعل الفردية في المكان.
سياق سياسي أوسع
تأتي هذه الحادثة في سياق حساس، إذ أقام المغرب علاقات رسمية مع إسرائيل عام 2020 بوساطة أمريكية، في إطار اتفاقات أثارت انقساماً داخلياً مستمراً، في المقابل، تشدد الجزائر على موقفها الداعم للقضية الفلسطينية، وترفض أي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل، ما يجعل المناطق الحدودية بين البلدين محملة بدلالات سياسية ورمزية عالية.
يحمل ملف التطبيع في المغرب أبعاداً تاريخية وسياسية معقدة، فالمملكة تضم واحدة من أقدم الجاليات اليهودية في العالم العربي، ولها تاريخ طويل من التعايش الديني والثقافي، غير أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وما يرتبط به من أحداث دامية، جعل الرموز الإسرائيلية مثار حساسية شديدة لدى قطاعات واسعة من المجتمع المغربي، ومنذ إعلان استئناف العلاقات الرسمية مع إسرائيل، تتكرر المواجهات الرمزية بين مؤيدي التطبيع ورافضيه، سواء في الفضاء العام أو على منصات التواصل الاجتماعي، وتكشف حادثة رفع العلم قرب الحدود أن هذا الملف لا يزال مفتوحاً على التوتر، وأن أي تصرف فردي يمكن أن يتحول بسرعة إلى قضية رأي عام تعكس عمق الانقسام بين السياسة الرسمية والموقف الشعبي.










